ملا نعيما العرفي الطالقاني
66
منهج الرشاد في معرفة المعاد
المصوّر لهم في الدنيا وتقاسيه ، فإنّ الصور الخياليّة ليست تضعف عن الحسّيّة ، بل تزداد عليها تأثيرا وصفاء كما يشاهد في المنام ، فربّما كان المحلوم به أعظم شأنا في بابه من المحسوس ؛ على أن الأخرويّ « 1 » أشدّ استقرارا من الموجودة في المنام بحسب قلّة العوائق وتجرّد النفس وصفاء القابل . وليست الصورة التي ترى في المنام ، بل والتي تحسّ في اليقظة كما علمت ، إلّا المرتسمة في النفس ، إلّا أنّ أحدهما يبتدئ من باطن وينحدر إليه ، والثاني يبتدئ من خارج ويرتفع إليه . فإذا ارتسم في النفس « 2 » فعل فعلها هناك الإدراك المشاهد وإنّما يلذّذ ويؤذي بالحقيقة هذا المرتسم في النفس لا الموجود في الخارج ، وكلّما ارتسم في النفس فعل فعله وإن لم يكن له سبب من خارج ، فإنّ السبب الذاتيّ هو هذا المرتسم ، والخارج سبب بالعرض أو سبب السبب ، فهذه هي السعادة والشقاوة الخسيستان اللتان بالقياس إلى الأنفس الخسيسة ، وأمّا الأنفس المقدّسة ، فإنّها تبعد عن مثل هذه الأحوال وتتّصل لكمالها بالذات وتنغمس في اللذّة الحقيقيّة وتتبرّأ عن النظر إلى ما خلفها وإلى المملكة التي كانت لها كلّ التبرّؤ ، إذ لو كان قد بقي « 3 » فيها من ذلك أثر اعتقاديّ أو خلق تأذّت به وتخلّفت لأجله عن درجة العلّيين إلى أن ينفسخ ويزول « 4 » . انتهى كلامه . وأقول : ومثله كلامه في « الإشارات » في كثير من تلك المطالب التي بيّنها ، ولعلّنا نذكر فيما بعد بعض كلامه فيه . فلنتكلّم أوّلا في شرح ما نقلنا عنه في هذا الفصل ، ثمّ نتكلّم في المقصد . فنقول : إنّ ما ذكره أوّلا بقوله : « يجب أن يعلم أنّ المعاد منه ما هو مقبول من الشرع الخ » غرضه ظاهرا أنّ المعاد على قسمين : قسم هو مقبول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلّا من طريق الشريعة وتصديق
--> ( 1 ) - في المصدر : الأخرى . ( 2 ) - في المصدر : في النفس ثمّ هناك الإدراك . ( 3 ) - في المصدر : ولو كان بقي . . . ( 4 ) - الشفاء ، الإلهيّات ، فصل المعاد .